السيد عبد الله شبر

442

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

وبينه ؛ إذ كانت من العالم العلوي النوراني ، وهو من العالم السفلي الظلماني « فما ألفت » به ، وفي بعض النسخ : « وما سكنت » ، أي لم ترض للسكون فيه . « فلمّا واصلت » أي واصلت الهيكل واتّصلت به ألفت مع ما كان منها من الإعراض والأنفة ، وفي بعض النسخ : « كرهت مجاورة الخراب البلقع » وهو كناية عن البدن ، والبلقع مبالغة في خرابه ؛ لأنّه المقفر الخالي من العمارة . ومن الغريب أنّ الشيخ الرئيس أسند الأفعال إليها حيث قال : أنفست وما أنست وواصلت وألفت ، وهذا كلّه يقتضي اختيارها في تلك الأمور ، والحال أنّها مجبورة في كلّ ذلك مكرهة ، وإلّا لاستقلّت بالتدبير ، ولزم حينئذٍ أن لا اتّصال لمضادّته الانفة ، وأن لا مفارقة لمعاكسته الألفة . وسمّى الشيخ اتّصال النفس بالبدن : مجاورة ، وفيه ما فيه ، فقد قال قوم به ، وردّ بأنّه يلزم انفكاكها كلّ وقت اختياراً والواقع خلافه ، وقيل باتّصالها كالنار في الشمعة ، وردّ بأنّه يلزم عليه أنّه لو نفخ إنسان في وجه آخر افترقا كما يكون عند إرادتنا إطفاء الشمعة . وقال فيثاغورس وتلميذه سقراط بأنّ كيفيّة التعلّق واقع كالسريان الصادر من نحو الدهن في الزيتون والسمسم للتدبير ولو بالأشعّة ، وأظنّها حين ألِفَتْكَ أيّها البدن ، وكرهت فراقك نسيت عهوداً بالحمى ومنازلًا بفراقها ، لم تقنع بذلك حتّى ألفت هذا البدن ولم ترض بفراقه . وحاصل الكلام : أنّ العناية الأزليّة قد جرت في الأزل وتعلّقت بهبوط النفس الإنسانيّة من العالم الأرفع النوري إلى الهيكل المزاجي ، فنزلت النفس من جوّ الفضاء العقلي والعالم الأعلى السماوي إلى وكر البدن الظلماني على سبيل الكراهة والصعوبة ؛ لأنّ مفارقة الوطن الأصلي والمسكن الحقيقي - سيّما عالم القدس النوري - يكون في غاية الصعوبة ، فارقت لكن بحكم اللَّه الذي لا رادّ لحكمه فارق العالم الأعلى كرهاً ، وتعلّقت بالوكر الأدنى جبراً وقهراً ، وانفصلت من الطهارات والتقدّسات النوريّة ، وتعلّقت بالأدناس والألواث البدنيّة ، والقاذورات الطبيعيّة ، وهبطت في قعر السعير الظلماني ، ومهوى الحضيض الجسماني والجحيم النفساني ، مقيّدة بالسلاسل والأغلال في سجون التعلّقات ، أسيرة بأيدي الشياطين والأوهام